ساسي سالم الحاج
150
نقد الخطاب الاستشراقي
والبغض والكراهية ، ولا يعير العوامل الأخرى اهتماما . بينما يركّز « وات » على العوامل الدينية والاقتصادية التي لعبت دورها في إذكاء روح المعارضة نظرا للمبادئ التي ينادي بها الإسلام كالمساواة ، ودفع الزكاة ، الأمر الذي يضرّ بالمجتمع القرشي المبني على الأسس المادية المتمثلة في التجارة وما تدرّه من ربح وفير ، والتي ستتأثر حتما بهذه المبادئ الجديدة ، ولكنه يؤكد من جديد العوامل الدينية ويضع العوامل الاقتصادية والسياسية في مرتبة ثانية عنها وإن كان يقدم العامل السياسي على العامل الاقتصادي ، وذلك لتخوّف قريش من أن يستأثر الرسول بالسلطة كما حاول « عثمان بن الحويرث » قبله . أما « رودنسون » فإنه يرجع أسباب المعارضة القرشية إلى العوامل الدينية والسياسية على حدّ سواء . ولكن الذي يعنينا إنكار هؤلاء المستشرقين لطبيعة المعارضة القاسية ، محاولين التخفيف من حدّتها وتصويرها تصويرا لا يتلاءم والروايات الإسلامية التي وصفتها . بل إن « موير » ينفي بشدة واقعة قتل أبي جهل لسميّة وياسر . ولكن الاضطهاد الذي تعرّض له المسلمون الأوائل كان بالغ الشدة والقساوة . ولم يكن بتلك الصورة الخفيفة التي صوّرها لنا المستشرقون . وقد اشتدت المعارضة وأبانت عن وجهها القبيح عندما ذكر الرسول آلهة قريش وعابها . هنالك وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فحبسوهم وعذبوهم بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحرّ فمنهم من يفتن من شدّة البلاء الذي ينصبّ عليه ، ومنهم من يعصمه اللّه « 1 » . وقد بلغ من شدة الاضطهاد وقسوته أن شك بعض المسلمين في نصر اللّه الموعود لهم ، فنزلت الآيات القرآنية تندّد بهم ، وتصف المصير السّيّئ الذي سيئولون إليه لو استجابوا للفتنة « 2 » . وسئل ابن عباس عن عذر من امتنع عن الإسلام لسبب تعذيبه فقال : نعم ، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له اللّات والعزّى إلهك من دون اللّه ؟ فيقول : نعم ، حتى إن العجل ليمر بهم فيقولون له : أهذا العجل
--> ( 1 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 317 . ( 2 ) سورة الحج ، الآيات من 11 - 15 .